عبد الوهاب الشعراني
206
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
[ توهّم أنّ الحقّ يضبطه اصطلاح ] وممّا أجبت به من يتوهّم أنّ الحقّ - تعالى - يضبطه اصطلاح ، فيكون ما يشهده منه زيد هو ما يشهده منه عمرو ، ومعلوم أنّ ذلك يؤدّي إلى حصر الحقّ تعالى ، وقد قال - تعالى - عن نفسه : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » ، والجواب أنّ اللّه - تعالى - قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 » ، وإذا كان ليس كمثله شيء « 3 » ، فمن المحال أن يضبطه اصطلاح ، فليس ما يشهده منه عمرو جملة واحدة ، وبهذا القول عرفه العارفون ، كما قاله الشّيخ في الباب التّاسع والسّتّين وثلاثمائة من " الفتوحات " « 4 » ، فلا يتجلّى - تعالى - في شأن واحد لشخصين ، ولا في شأن « 5 » واحد مرّتين ، قال : وليس فوق هذه المعرفة مقام يطلب حصوله تضبط به التّجلّيات أبدا . قال « 6 » : وأمّا القدماء من الحكماء والأشاعرة والحنابلة والمعتزلة فقد اتّفقوا على أمر مضبوط في صفات الحقّ جلّ وعلا ، وجعلوا ذلك ضابطا للحقّ جلّ وعلا ، من « 7 » تعدّاه أخطأ ، والذي نعتقده أنّ أئمّتهم يقولون : تعالى اللّه عن التّقييد بحال دون حال ، ولعلّهم إنّما ضبطوا ذلك مصلحة للعوامّ الذين لا يعرفون مراتب التّجلّيات ولا يشعرون « 8 » بها بخلاف الكمّل من العارفين ، فإنّهم يشهدون تنوّع التّجلّيات لقلوبهم مع الآنات على اختلاف طبقاتهم ، ولذلك كان لا يقدر عارف أن يوصل إلى عارف آخر صورة ما يشهده من ربّه - عزّ وجلّ - أبدا ؛ وذلك لأنّ كلّ واحد يشهد من لا مثل له ، ولا يكون التّوصّل إلّا بالأمثال ، فعلم أنّ الحقّ - تعالى - لا يثبت له تجلّ « 9 » في قلوب العارفين أكثر
--> ( 1 ) ( البقرة ، الآية 247 ) . ( 2 ) ( الشورى ، الآية 11 ) . ( 3 ) " د " : قوله : " وإذا كان ليس كمثله شيء " ساقط . ( 4 ) عنوان هذا الباب هو " في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 6 / 98 . ( 5 ) " د " : " ولا بشأن " . ( 6 ) يعني بذلك محيي الدين ، وعبارته في الفتوحات المكية ، 6 / 133 . ( 7 ) " ك " ، " ز " : " كل من " . ( 8 ) " ك " ، " ز " : " ولا يعرفون " . ( 9 ) " ك " ، " ز " : " محل " ، وهو تصحيف .